الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
40
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
سيقال لهم عن ربهم ، وهذا وضع لهم في مقام المخاطبة من اللّه وهي درجة عظيمة . وحذفت ياء المتكلم المضاف إليها عِبادِ وهو استعمال كثير في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم . وقرأه العشرة يا عِبادِ بدون ياء في الوصل والوقف كما في « إبراز المعاني » لأبي شامة وكما في « الدرة المضيئة » في القراءات الثلاث المتممة للعشر لعلي الضباع المصري ، بخلاف قوله تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [ الزمر : 53 ] الآتي في هذه السورة ، فالمخالفة بينهما مجرد تفنن . وقد يوجه هذا التخالف بأن المخاطبين في هذه الآية هم عباد اللّه المتقون ، فانتسابهم إلى اللّه مقرر فاستغني عن إظهار ضمير الجلالة في إضافتهم إليه ، بخلاف الآية الآتية ، فليس في كلمة يا عِبادِ من هذه الآية إلّا وجه واحد باتفاق العشرة ولذلك كتبها كتّاب المصحف بدون ياء بعد الدال . وما وقع في « تفسير ابن عطية » من قوله : وقرأ جمهور القراء قُلْ يا عِبادِيَ بفتح الياء . وقرأ أبو عمرو أيضا وعاصم والأعشى وابن كثير يا عِبادِ بغير ياء في الوصل ا ه . سهو ، وإنما اختلف القراء في الآية الآتية قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ في هذه السورة [ 53 ] فإنها ثبتت فيه ياء المتكلم فاختلفوا كما سنذكره . والأمر بالتقوى مراد به الدوام على المأمور به لأنهم متّقون من قبل ، وهو يشعر بأنهم قد نزل بهم من الأذى في الدين ما يخشى عليهم معه أن يقصّروا في تقواهم . وهذا الأمر تمهيد لما سيوجه إليهم من أمرهم بالهجرة للسلامة من الأذى في دينهم ، وهو ما عرض به في قوله تعالى : وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ . وفي استحضارهم بالموصول وصلته إيماء إلى أن تقرر إيمانهم مما يقتضي التقوى والامتثال للمهاجرة . وجملة لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وما عطف عليها استئناف بياني لأن إيراد الأمر بالتقوى للمتصفين بها يثير سؤال سائل عن المقصود من ذلك الأمر فأريد بيانه بقوله : أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ ، ولكن جعل قوله لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ تمهيدا له لقصد تعجيل التكفل لهم بموافقة الحسنى في هجرتهم . ويجوز أن تكون جملة لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ مسوقة مساق التعليل للأمر بالتقوى الواقع بعدها . والمراد بالذين أحسنوا : الذين اتقوا اللّه وهم المؤمنون الموصوفون بما تقدم من قوله : أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ [ الزمر : 9 ] الآية ، لأن تلك الخصال تدل على الإحسان المفسر بقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » ، فعدل عن التعبير بضمير